ابن يعقوب المغربي

493

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

أي : فبكى ذلك الرجل من مفارقة ألوان لذات الشبيبة ، وتذكر عوارض الشيب وسلم منادى مرخم وبعد هذا البيت قد كان يضحك في شبيبته * والآن يحسد كل من ضحكا لا تأخذا بظلامتي أحدا * قلبي وطرفي في دمي اشتركا فقد جمع بين الضحك والبكاء والمراد بالضحك ظهور المشيب من باب التعبير باللازم عن الملزوم ؛ لأن الضحك الذي هو هيئة للفم معتبرة من ابتداء حركة وانتهاء إلى شكل مخصوص يستلزم عادة ظهور البياض ، أعني بياض الأسنان ، فعبر به عن مطلق ظهور البياض في ضمن الفعل ، فكان فيه تبعية المجاز المرسل ، ويحتمل أن يكون شبه حدوث الشيب بالرأس بالضحك بجامع أن كلا منهما معه وجود لون بعد خفائه في آخر ، ثم قدر استعارة لفظ الضحك لذلك الحدوث ، وعبر عنه بالفعل ، فعليه يكون ضحك استعارة تبعية ، ويكون المراد بالمشيب موضع الشعر من الرأس ، ويحتمل على بعد أن يريد بالمشيب الجلدة من الرأس ، ويريد بالرأس مجموع العظم والجلدة ، ويكون قد شبه انفتاح موضع الشعر عن بياض الشيب بالضحك في وجود انفتاح عن لون خفي ، كما يقال : ضحك الورد أي : انفتح ، فتكون الاستعارة تبعية أيضا ، وعلى كل تقدير فالمراد بالضحك معنى لا يقابل البكاء ؛ لأن حاصل المقصود ظهور المشيب ، وإنما التقابل بين الضحك والبكاء باعتبار معنييهما الأصليين . ( ويسمى ) هذا ( الثاني ) وهو ما يكون التقابل فيه بين المعنيين الأصليين دون المعنيين المرادين في الحالة الراهنة ( إيهام التضاد ) لأن المعنيين المرادين كما بينا في المثال لا تضاد بينهما ، ولكن يتوهم التضاد من ظاهر اللفظيين باعتبار معنييهما الأصليين ، والفرق بين التدبيج الذي فيه الكناية ، وبين إيهام التضاد - مع أن المراد في كل منهما لا يقابل به الآخر في الحالة الراهنة - أن الكناية الكائنة في التدبيج يصح أن يراد بها معناها الأصلي فينافي مقابله بخلاف إيهام التضاد فلا يصح فيه معناه الأصلي ، تأمله .